Just another WordPress.com site











 






أصيب الملك فاروق فى طفولته (وهو فى التاسعة من عمره) بالحمى الشوكية ولم يستطع طبيب القصر أن يشخِّص المرض، فتم استدعاء طبيب إيطالى شهير (البروفيسور فرجونى) ومرت فترة عصيبة بين الأمل فى الشفاء واليأس. وبعد شفائه صارح والده- الملك فؤاد- ناظر الخاصة الملكية زكى الإبراشى باشا وكان أقرب الناس إليه بأن الطبيب قال له قبل سفره إن إصابة ولى العهد كانت شديدة جداً ويخشى أن تكون قد أثّرت على المخ. وسأله الملك فؤاد: هل معنى ذلك أن قواه العقلية قد تصبح غير مكتملة، فقال له الطبيب: (قد) لا يصل الأمر إلى هذا الحد (إذا) لم تحدث مضاعفات. ثم قال الملك فؤاد لصديقه المقرب (زكى الإبراشى باشا): ستكون مصيبة لو أن المرض ترك أثرا على عقل ولى عهدى، وهو الصبى الوحيد المؤهل لولاية العرش من ذريتى، وآخر مولود جاء نبتا، ولم تبق فى البندقية خرطوشة أخرى!
ولكى يخفف الصديق عن الملك همومه قال له: لى أمل أن يحاط الأمير حين يتولى الملك بعد عمر طويل لجلالتكم بحاشية عاقلة ومخلصة ومستشارين يسهِّلون عليه مهمة الحكم. فعلق الملك ساخرا: حاشية عاقلة ومخلصة يا زكى؟! إن الحاشية لو كانت عاقلة فلن تكون مخلصة، ولو كانت مخلصة فهى ليست عاقلة وأقصى ما تصل إليه أن تكون منافقة!!
هذه الواقعة رواها زكى الإبراشى باشا ناظر الخاصة الملكية أقرب الناس إلى الملك فؤاد لكل من محمد محمود باشا رئيس الوزراء، والشيخ مصطفى المراغى شيخ الأزهر ونقلها عنهما مرتضى المراغى باشا- وزير الداخلية فى عهد فاروق وهو ابن الشيخ المراغى- فى مذكراته (شاهد على حكم فاروق) التى أصدرت دار المعارف طبعة جديدة لها منذ أيام.
ومذكرات مرتضى المراغى باشا لها أهمية كبيرة أولاً لأن الرجل مشهود له بالاستقامة والنزاهة. كان سكرتيرا خاصا لرئيس الوزراء (محمد محمود باشا). وكان ميرا للأمن العام، ثم وكيلا لوزارة الداخلية، ثم محافظا للإسكندرية وأخيرا كان وزيرا للداخلية يوم 27 يناير 1952- اليوم التالى لحريق القاهرة- وهو كما يقول عنه الأستاذ صلاح منتصر فى مقدمته للمذكرات: كان الوزير الذى كان عليه أن يعرف ما كان يجرى فى الخفاء بصرف النظر عن فساد الحكم أو صحته.
يقول مرتضى المراغى إن فاروق كان ضحية عوامل عديدة منها مرضه فى طفولته، والجو العائلى المضطرب بين أبيه وأمه الذى كان يخيم على قصر عابدين، وإصرار أبيه على رفض أن تكون تربيته تربية مصرية خالصة، وحرمانه من اللعب مع أطفال مصريين، كل ذلك ترك فى نفسه آثارا ترسبت فى عقله الباطن. ثم تم إرساله إلى بريطانيا ليتعلم فيها وهو صغير السن (16 سنة) وكان أحمد حسنين هو المسئول عن توجيهه لكنه عمل على إرضاء نزوات ولى العهد أكثر من حرصه على دراسته، ثم جلس فاروق على العرش وهو لم يكمل الثامنة عشرة من عمره ووجد كبار البلد ينحنون له، وعظماء مصر يقبِّلون يده، وزيِّن له مستشاره السياسى على ماهر باشا الخروج على الأعراف الدستورية والسياسية والأخلاقية منذ الشهور الأولى لحكمه.
لم ينشأ فاروق نشأة سوية، فقد التصق بأمه وكره والده لقسوته البالغة وغيرته الهوجاء على الملكة، فلم يكن ينقضى يوم من غير أن يشتمها بل إنه ضربها يوما أمام ابنها، ولم يكن فاروق يرى والده إلا نادرا، وكانت أمه ترسله لكى يتلصص على أبيه من ثقب الباب ويستمع إلى ما يدور بينه وبين مديرة القصر التى كانت للملك فؤاد علاقة خاصة معها.
ولم أكن أصدق ما ذكره كريم ثابت أقرب الناس إلى الملك فاروق عن النزعة السادية لفاروق مع الحيوانات ومع الناس أيضا، فقد ذكر كريم ثابت أن فاروق كان يشعر بتلذذ حين يقتل القطط والكلاب، أو وهو يطفئ سيجارة فى ذراع إحدى صديقاته، ولكن مرتضى المراغى يؤكد هذه النزعة السادية فى مذكراته ويصف حالته بأنها (نزعة سادية مروعة)، ويقول إن فاروق كان يراهن على قتل الحمامة فى دقيقة واحدة بأن يغرس إبرة طويلة فى رأسها، وكان يدوس القطط بسيارته حتى إنه كان يصعد الرصيف إذا حاولت الهرب ويعرض نفسه للاصطدام بالحائط ويحكى أيضا أن فاروق طلب من إحدى وصيفات القصر أن تغمض عينيها ووضع عليها شريطا لاصقا ثم أمرها بفتح عينيها فلم تستطع وأخذت تتوسل إليه وفجأة نزع الشريطين وصرخت الوصيفة من شدة الألم وعندما ذهبت إلى المرآة وجدت أن رموشها طارت!
ويقول بعد ذلك إن هذه النزعة السادية ظهرت فى تكوين الحرس الحديدى الذى كان تحت إشرافه وكان يكلفه باغتيال خصومه. والغريب- كما يقول مرتضى المراغى- أن فاروق كان يعامل كبار رجال الدولة والدين بالاحترام، وكان يقبِّل يد أمه ولا يجلس إلا بعد أن تجلس ويتقبِّل منها عبارات التوبيخ الشديدة بأدب. وظلت حالة ازدواج الشخصية معه حتى آخر لحظة من حياته.
ويحكى مرتضى المراغى- الذى كان بحكم عمله يعلم أسرار الدولة- عن سيدة يقول إنها لعبت دورا مؤثرا فى تاريخ مصر، كانت وصيفة فى القصر بعد طلاق فاروق لزوجته الملكة فريدة، وأصبحت بسرعة أحب الشخصيات إلى فاروق لجمالها وذكائها وجرأتها. وكان فاروق يصحبها فى نادى السيارات وفى رحلات الصيد وفى رحلاته على اليخت الملكى (فخر البحار) إلى فرنسا وإيطاليا وقبرص ورودس، وأوحى إليها أنه يمكن أن يأمر زوجها بأن يطلقها ويتزوجها هو، وظلت بعد ذلك تحلم بأن تصبح ملكة مصر، ولكن فاروق اختار ناريمان فتحولت هذه السيدة التى لم يشأ مرتضى المراغى أن يرمز اسمها الحقيقى واختار أن يرمز لها باسم (نهى)- تحولت إلى الانتقام من فاروق من موقعها كوصيفة فى القصر.. أصبحت على علاقة بأحد الضباط كان يسلمها منشورات الضباط الأحرار فتضعها فى ملف (البوستة) على مكتب الملك. وكانت وزارة الداخلية تراقب تليفون هذه السيدة وتليفون الضابط الذى أصبح رفيقها، وكان نص المكالمات بينهما يعرض على مرتضى المراغى بصفته وزير الداخلية، ويقول مرتضى المراغى: (عن طريق هذه المكالمات استطعت أن أجمع الكثير من المعلومات وأعرف الكثير من الأسرار الخافية علىّ والتى لم يكن من الممكن أن أعرفها إلا بهذه الوسيلة.. أدركت أن الملك تتصرف فيه هذه المرأة ويطاوعها فى كل ما تشير به كما كان قائد الجيش يتقبل توجيهاتها) وهذه قصة ليس هذا وقتها. يكفى أن نشير إلى واقعة غيرت مجرى التاريخ.
فقد رصدت أجهزة الداخلية تجمعات لعدد من صغار الضباط يوم 22 يوليو 1952، وأراد وزير الداخلية مرتضى المراغى إبلاغ الملك ولكن الملك كان يعوم فى البحر (فى الإسكندرية) مع هذه السيدة، فاضطر إلى إبلاغ أحد الأمناء فى القصر بما لديه من معلومات، وفى المساء اتصل به هذا الأمين وأبلغه بأن الملك يطلب منه الاتصال بوزير الحربية أو القائد العام حيدر باشا، ثم علم مرتضى المراغى بعد ذلك أن هذه السيدة أقنعت فاروق بأن وزارة الداخلية تريد الإيقاع بينه وبين الجيش باختلاق القصص عن نشاط بعض الضباط.. كان ذلك فى الوقت الذى كانت فيه الترتيبات لقيام الثورة قد انتهت تقريبا.. وقالت له أيضا: إن وزير الداخلية لن يتركه فى راحة أبدا.. يريد أن يجعلك تصطدم بالجيش والجيش موالٍٍ لك.. واتصل وزير الداخلية بوزير الحربية (يوم 22 يوليو 1952) فوجده فى رحلة صيد وعندما عاد فى المساء أخبره بمعلومات عن تحرك بعض الضباط، فاتصل وزير الحربية (إسماعيل شيرين زوج أخت فاروق) بالقائد العام حيدر باشا فقال له: إن ضباط البوليس يخالطون الحشاشين ولهذا يتخيلون مثلهم خيالات عن انقلابات.
وفى مساء 15 أبريل 1952 توجه فاروق إلى منزل هذه السيدة ليتناول العشاء ويلعب القمار مع بعض أصدقائه، وعند مدخل البيت أطق شخص النار على فاروق فأصاب أنطون بولى فى ساقه وكان يسبق فاروق بخطوات، وأخفى الملك عن وزارة الداخلية هذا الحادث، ولكنه طلب تعيين حارسين أحدهما أمام بيت (نهى) والآخر وراء سور البيت، ولكن وزير الداخلية- مرتضى المراغى- علم بالحادث وأن الضابط (صديقها) غادر منزله فى التاسعة صباحا وأخبر (نهى) أنه سيخرج للنزهة، فقالت له (إن شاء الله ترجع بالسلامة)، وقابلت (نهى) الضابط فى اليوم التالى فى منزله.
ويضيف مرتضى المراغى أن التحريات أفادته بأن الضباط الأحرار يطبعون منشورات فى مطبعة فى ثكنة فرقة المشاة فى المعادى فأمر بمراقبة هذه الثكنات من الخارج، فوجدوا أن هذا الضابط (اليوزباشى مصطفى) واليوزباشى خالد وهما ليسا من ضباط الفرقة يترددان على الثكنات ثم يخرجان بعد فترة ومعها حقيبتان فتأكد من صحة المعلومات التى وصلته، فلم يخطر القائد العام للجيش (الفريق محمد حيدر) لأنه كان يقول دائما عن حركة الضباط الأحرار إنها (لعب عيال) ولن يقبل أن يصله الخبر من وزارة الداخلية بدل أن يصل إليه من مخابراته العسكرية، فأمر رجال البوليس بتفتيش الثكنات مستعملا سلطته كوزير للحربية فى ذلك الوقت بالإضافة إلى كونه وزير الخارجية. وفعلاً تم ضبط المطبعة والمنشورات وجاء فيها (يا ضباط الجيش ثوروا على الملك الخائن وحكومته العميلة للاستعمار. اقضوا عليهم. إن عهد الطاغية يجب أن يزول، ورأسه يجب أن يسحق). وكانت النتيجة أن (نهى) أقنعت الملك والفريق حيدر بأن مرتضى المراغى قام بإجراء خطير بإرسال البوليس إلى ثكنات الجيش، وفى اليوم التالى أخلى سبيل الضباط، وكان نصيب وزير الداخلية التوبيخ من الملك لأن الوزير هو الذى يجب محاسبته، أما الضباط فردد الملك ما قالته (نهى) من أنه (لعب عيال).
 




 







فى الوقت الذى كانت الصحافة فى أوربا تنشر فضائح الملك فاروق كانت الصحافة المصرية تنشر على لسان كبار رجـال الدولة عبارات الثناء والمديح للملك الصالح، أمير المؤمنين، وقدوة المسلمين، وكان بعضهم يعـلم أن فاروق يقضى أيامه فى جزيرة كابـرى الايطالية بين موائـد القمار والنساء، كان يقول فى خطبـة رسميـة: إننى أرنـو إلى بقعة طاهرة حيث المليك المفدى لأرفع إلى أعتابه الملكية آيات الولاء و.. و.. الخ.
أما ما نشرته الصحف الأوروبية فكان شيئا مخزيا..
فى رحلته الأولى فى سنة 1946 إلى جزيرة قبرص على اليخت الملكى (فخر البحار) وكان على موعد مع ممثلة السينما ليليان كوهين التى اشتهرت بجمالها وباسمها الفنى (كاميليا) التى احترقت بعد ذلك فى حادث طائرة.
وكان فاروق وقتها فى بداية علاقته بها، وحاول إخفاء شخصيته عن الصحافة وعن السياسيين الأوربيين فذهب متنكرا ولكنه لم يكد يصل إلى هناك حتى كانت عدسات المصورين ومندوبى وكالات الأنباء قد تابعت كل خطواته وتنشر أخبار وصور سهراته، ولم تمض ساعات على وصوله حتى كان كل أهل الجزيرة قد عرفوا أن ملك مصر يقضى لياليه فيها وأصبحت مباذله على كل لسان.. فترك قبرص إلى تركيا ظنا منه أن السرية سوف تنجح فيها، ولكنه فور وصوله كانت وكالة أنباء رويتر قد أذاعت نبأ وصوله. وبينما كان فاروق يقضى أيامه فى اللهو غير البرئ كان مجلس الوزراء فى مصر برئاسة إسماعيل صدقى باشا يواجه أزمة بين رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، وكانت المفاوضات المصرية البريطانية حول الجلاء تتعثر، وكانت الأوضاع السياسية فى البلاد تقتضى أن يكون الملك موجودا. وراحت البرقيات تتوالى من القصر على اليخت الملكى تناشد الملك سرعة العودة ولكنه فضل أن يستمر مع أحدث عشيقاته ضاربا عرض البحر بالأزمة الوزارية وبالأزمة السياسية وبنظرات الناس له كلما رأوه فى مواقف لا تليق برجل محترم. واضطر رئيس الوزراء إلى إخطار الملك بأنه مضطر للاستقالة إذا لم يعد إلى مصر فورا لتولى مسئوليته كملك، لكن فاروق لم يشأ أن يقطع السعادة التى كان يعيش فيها فأرسل إلى رئيس الوزراء يستدعيه لمقابلته فى منتصف الطريق.. فى جزيرة رودس.. وترك كاميليا فى قبرص على أمل ألا يعلم رئيس الوزراء بوجودها، وبالطبع كان رئيس الوزراء أول من يعلم. وفى مقابلة الملك لرئيس الوزراء فى رودس وقع فاروق عددا من أخطر المراسيم الملكية.. منها مرسوم بالتعديل الوزارى الذى اقترحه رئيس الوزراء، ومرسوم بإنشاء مجلس الدولة وتعيين محمد كامل مرسى باشا رئيسا له، ومرسوم بتعيين مستشارى مجلس الدولة، ومرسوم بالحركة القضائية. وقد وقع هذه المراسيم على ظهر اليخت الملكى بناء على فتوى بأنه لا يجوز أن يوقع الملك على ارض أجنبية مراسيم تتعلق بالدولة، ولكن اليخت الملكى يعتبر أرضا مصرية وبذلك تكتسب هذه المراسيم الشرعية الدستورية!
***
وكانت رحلته الثانية فى صيف 1950 إلى إيطاليا وفرنسا، وكان قد طلق زوجته الملكة فريدة فى 17 نوفمبر 1948 وذهب بجواز سفر باسم (فؤاد باشا المصرى)، ولكنه كان يظهر فى أندية القمار والأندية الليلية مع النساء وكأنه قد أصابه الجنون فجأة. ويصف الدكتور محمد حسين هيكل (رئيس حزب الأحرار الدستوريين ورئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ الأسبق والمؤرخ الكبير) هذه الرحلة فيقول فى كتابه الشهير (مذكرات فى السياسة المصرية – الجزء الثانى) : بعد أيام من صدور مراسيم 17 يونيو الشهيرة أعلنت الصحف أن الملك سيسافر إلى أوروبا متنكرا باسم فؤاد باشا المصرى. فلما كان بفرنسا جعل مقره الرئيسى فى مصيف دوفيل، وجعل نادى هذه المدينة مكان سمره وسهره ولعبه القمار كما كان الحال فى نادى السيارات بالقاهرة. وما لبثت غانيات باريس، والفاتنات الدوليات – حين عرفن ذلك – أن هرع عدد كبير منهن إلى دوفيل، مؤمنات بأن ملك مصر يريد أن يقضى صيفه فى مرح ومسرة، وزادهن إيمانا أن دعيت الراقصة المصرية سامية جمال إلى دوفيل لتبعث برقصاتها إلى هذا المجتمع المصرى الفرنسى الدولى النعمة والنعيم!
ويستكمل الدكتور هيكل حديثه قائلا: (وأوفدت صحف فرنسا وصحف أوربا وصحف أمريكا مراسليها إلى المدينة الرافلة فى حلل هذه البهجة الغناء لموافاتها بأنباء الملك الشرقى المغامر. وأخذت الصحف فى أرجاء العالم تنشر أنباء الملايين التى يكسبها أو يخسرها فاروق على مائدة القمار، ما فتح العيون فى العالمين القديم والجديد على هذا الملك الشاب الذى أعاد فى القرن العشرين، وفى قلب أوروبا، صورا أعجب مئات المرات من صور ألف ليلة وليلة. وانتهزت الصحف هذه الفرصة للتشهير بملك مصر، ولم تكتف بما راحت تنشره من أنباء الملك فى دوفيل بل لجأت إلى حياته الخاصة فجعلت منها مادة زادت بها استهتار الملك بروزا ووضوحا، واثر ما نشرته الصحف حتى كان المصريون المصطافون بأوروبا يخجلون فلا يذكرون جنسيتهم لمن يسأل عنها، وقد لمست ذلك بنفسى، إذ كنت بباريس عائدا من مؤتمر الاتحاد البرلمانى الدولى الذى عقد ذلك العام فى دبلن عاصمة ايرلندا، فقد أطلعت فى مجموعة الصحف الفرنسية عند أحد أصدقائى الفرنسيين على طائفة من المقالات والصور التى نشرت عن فاروق فطأطأت رأسى. واطلعت كذلك على بعض المجلات الأمريكية فإذا هى تنشر عن حوادث فاروق وتصفه بأقبح الصفات. ورأيت فى بعض مسارح باريس تعريضا بالملك ومغامراته يندى لها الجبين. وسمعت من بعض معارفى – رجال وسيدات – ما ووجهوا به حين عرف محدثوهم أنهم مصريون، فآثرت ألا أتعرض لمثل ما تعرضوا له. وزاد الطين بله أن كانت الصحف الأوربية والأمريكية تنشر عن التحقيقات التى كانت تجرى فى مصر عن الأسلحة والذخيرة الفاسدة التى اشتريت للجيش المصرى المحارب فى فلسطين، مما يندى له الجبين. كانت صحف أوربا تنشر من التفاصيل الخاصة بهذا التحقيق ما يزيد الدعاية ضد الملك وضد مصر إثارة لنفس كل من يتابعها، وما يجعل المصريين المقيمين بباريس وبأوربا يطأطئون رؤوسهم خزيا وخجلا).
***
وذلك ما سجله الدكتور هيكل عن فضائح فاروق. وينقل الأستاذ حلمى سلام فى كتابه (أيامه الأخيرة – قصة ملك باع نفسه للشيطان) بعض عناوين الصحف.. صحيفة (فرانس بريس) تقول: (فاروق ينتزع النصر فى السباق فى دوفيل ويخسر أربعة ملايين ونصف مليون فرنك فى نصف ساعة) .. وصحيفة (بارى بريس) تقول: (ألف ليلة وليلة فى دوفيل – الملك فاروق بين البيجوم أغاخان ومدام كحيل ومدام كريم ثابت) وصحيفة (فرانس بريس) تقول: (اشترى فاروق بعض المجوهرات الثمينة من محلات (فان كليف) ولكن لم يعرف بعد من التى ستفوز بهذه المجوهرات – هل ستكون سامية جمال هى الفائزة أو الراقصة (سيرين أوجيمونا) أو المغنية (آنى برييه). إنه على كل حال يحمل المجوهرات فى جيب سترته الأيمن، ويقال إن (سونيا) عارضة الأزياء فى محلات (كارفن) ستكون هى الفائزة بهذه المجوهرات) وصحيفة (رادار) تقول: (إن فاروق له راقصة مفضلة تماما مثل الملك هيرودس فى التاريخ القديم، أما سالومى الحديثة فاسمها سامية جمال، وقد شهدت دوفيل فى ليلة من ليالى الشرق الساخنة سامية جمال وهى ترقص حافية القدمين فى ثوب مطرز بالفضة، وقد أرسلت شعرها يصرخ فى الهواء).
يقول الأستاذ حلمى سلام إن فضيحة الفضائح التى نشرتها جميع الصحف فكانت بطلتها فتاة أمريكية فى السادسة عشرة من عمرها اسمها (ميمى ميدار) ابنة أحد الأثرياء الأمريكيين الذين ساقهم قدرهم إلى الاصطياف فى دوفيل أثناء وجود فاروق بها، وقعت عينه عليها فى صالة الفندق، وحدث أن انفرد بها فى مصعد الفندق فهاجمها ولم تستطع أن تقاومه وكانت تلك فضيحة صارخة، ونشرتها جميع الصحف، لكن ذلك لم يمنع الملك فاروق من إرسال الزهور كل صباح إلى غرفة الفتاة.
وقبيل عودته من هذه الرحلة حصلت مجلة (روز اليوسف) على صورة الفتاة الأمريكية ونشرتها فى عددها الصادر يوم 26 سبتمبر 1950 وتحتها الخبر التالى: (يتحدث المصريون العائدون من أوربا عن الآنسة (ميمى ميدار) وهى آنسة أمريكية فى السادسة عشرة من عمرها وابنة أحد كبار أصحاب مصانع الصلب فى ولاية (ميسورى) بأمريكا. وقد وجهت إلى الآنسة (ميمى) أكثر من دعوة لزيارة مصر ولكنها لم تقرر بعد قبول أى دعوة منها.. كما نشرت (روز اليوسف) فى الصفحة المقابلة من نفس العدد صورة أخرى للفتاة فى وضع آخر وتحتها: (الآنسة ميمى عند وصولها إلى مطار لندن لتكمل دراستها فى جامعات انجلترا، بعد أن قامت برحلة فى أوربا بصحبة والديها، وقد أعلنت أنها فقدت حقيبتين من حقائبها فى مدينتى (سان سيستيان) و(بيارتز) وهما حقيبتا ملابسها، وأشارت ميمى إلى (السويتر) الذى كان ترتديه وقالت للصحفيين: هذا كل ما أملكه الآن من ملابس).. وتحرك فى الناس الفضول عن السر وراء هذه الفتاة التى تنشر المجلة صورتها مرتين فى عدد واحد.. وطبعا انتشرت الفضيحة نقلا عن العالمين بالسر.. ثم عادت روز اليوسف يوم 28 أغسطس 1951 – بعد 11 شهرا – فنشرت صورة الفتاة تحت عنوان بارز لخبر يقول: (البرقية التى اهتمت بها الأوساط المصرية: (بعثت الآنسة ميمى ميدار صباح 18 أغسطس ببرقية إلى القاهرة باسم شخصيـة مصـرية كبيرة تقول فيها إنها أنجبت ولدا جميل الطلعة..وكان من المنتظر أن تزور (ميمى) القاهرة فى شتاء هـذا العـام، ولكـن حدثت ظـروف قـد تحـول دون دخولهـا الأراضـى المصريـة إلى الأبــد).. ولم تعـد الفضيحة خافية على أحد.











  




 






تزوج فاروق الملكة فريدةيوم 20 يناير 1938 وكان اسمها صافيناز بنت يوسف ذو الفقار وكيل محكمة الاستئناف المختلط، وكان عمره وقتها 18 سنة، وكان يحبها وأنجب منها ثلاث بنات هن فريال وفوزية وفادية، ولكن حاشية السوء فتحت أمامه الأبواب للانطلاق من قيود الزوجية فصار يعود إلى القصر فى الفجر والملكة فى انتظاره دون أن يبالى بالذهاب إلى غرفتها، وتمادى فى نزواته علنا دون مراعاة لوجود زوجته فى القصر وعيون الخدم وموظفى القصر لا تغفل عنه لحظة.
وفى ليلة خرجت فريدة من غرفتها فرأت امرأة تعرفها تخرج من غرفة الملك، وفى يوم كانت فريدة تلعب التنس فى ملعب حديقة القصر، فدخل فاروق غرفة مكتبه ومعه مطلقة أحد الأمراء وشاهدته الملكة فريدة فى وضع مخل فكانت هذه هى القشة التى قصمت ظهر البعير.
قبل ذلك كانت المشاجرات بينهما تصل إلى حد الشتائم على مسمع من الخدم بسبب استهتاره حينا، وبسبب إنجاب فريدة للبنات وهو يتحرق شوقا إلى طفل ذكر ليكون ولى العهد ويبعد شبح الأمير محمد على ولى العهد الذى كان يطمع فى العرش حتى فى وجود فاروق على الرغم من عدم إجادته للغة العربية وجهله فى الأمور السياسية.. وكانت الحاشية قد بدأت تشير أمام فاروق بعبارات مبهمة أن فريدة لا تبالى برضا أو غضب الملك، ثم أخذوا يلمحون إلى اتهامها بعلاقة مع ضابط إنجليزى.. وكانت فريدة عنيدة ولا تهتم بأن تدافع عن نفسها، وظل فاروق يتمادى فى علاقاته النسائية ليغيظها، ولم تأت سنة 1944 حتى كانت القطيعة قد تمت بين فاروق وفريدة فلا لقاء بينهما، ولا سلام ولا كلام، كما يقول كريم ثابت الذى كان شبه مقيم فى القصر ليل نهار، وفاتح رائده ورئيس الديوان الملكى وزوج أمه (أحمد حسنين) برغبته فى الطلاق، ولم تكن فريدة أقل منه رغبة فى الطلاق.. وحاول حسنين أن يقنع فريدة بالتساهل ولكن مساعيه باءت بالفشل، فلم يلتق الملك والملكة بعد ذلك إلا فى الحفلات التى كانت تقام بمناسبة أعياد ميلاد بناتهما فكانا يتبادلان التحية ثم يقف كل منهما فى جانب بعيدا عن الآخر.
ويقول عبد الرحمن الرافعى إن طلاق فريدة التى كان الشعب يحبها من الأسباب التى أساءت إلى مكانة الملك وجعلت الألسنة تلوك أنباء استهتاره.
فى هذه الفترة واجه فاروق حملة شديدة من الرى العام، وأخذ كل بيت فى مصر يردد أن الملك يسهر ويلهو والملكة محبوسة فى القصر.
وفى يوم فى شهر نوفمبر 1948 استدعى فاروق شيخ الأزهر (الشيخ مصطفى المراغى والد مرتضى المراغى الذى يروى هذه الواقعة عن والده) وطلب منه أن يصدر فتوى تحرّم على فريدة الزواج ثانية بعد طلاقها، فقال له الشيخ: كيف أصدر فتوى تخالف الشرع.. اعتبرنى مستقيلا حتى تجد شيخا آخر يصدر هذه الفتوى، وحاول فاروق أن يجد أحدا من رجال الدين يصدر تلك الفتوى فلم يجد مع أنه وجد فى مناسبة أخرى أحد كبار الشيوخ يصدر فتوى بأن فاروق (التركى الأصل) من نسل النبى صلى الله عليه وسلم، وفتوى أخرى بأنه (خليفة المسلمين).
ومن الغريب – وكما يروى مرتضى المراغى فى مذكراته – أن الشيخ المراغى قضى فترة مرضه الأخير فى مستشفى المواساة فى الإسكندرية كان يكتب خلالها الفصول الأخيرة من مذكراته حتى انتهى منها، وكان أبناؤه يعلمون بأمر هذه المذكرات- ومنهم طبعا مرتضى المراغى- كما كان مدير المستشفى يعلم بها أيضا وكان يعتبر من حاشية الملك، ومات الشيخ المراغى فجأة واكتشف أبناؤه اختفاء هذه المذكرات، ثم علم مرتضى المراغى بوسائله فى وزارة الداخلية أن فاروق كان أول من علم بنبأ وفاة الشيخ وأنه أسرع إلى المستشفى ودخل غرفة الشيخ للصلاة عليه، وأغلق الباب عليه وليس معه غير أحد مرافقيه، ثم خرجا وبعدها اكتشفوا اختفاء مذكرات شيخ الأزهر الذى كان يضيق بتصرفات فاروق وباستهتاره ويختلف معه فى كثير من المواقف.
لم يدم زواج فاروق بفريدة أكثر من عشر سنوات، وفى يوم الطلاق 17 نوفمبر 1948 أذاع ديوان الملك بيانا قال فيه: (شاءت إرادة الله أحكم الحاكمين أن تنفصم عرى رابطة مقدسة بين زوجين كريمين، فوجه حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم فاروق الأول وحضرة صاحبة الجلالة الملكة فريدة مع ما يشعر به من أسف إلى الرغبة فى الانفصال بالطلاق، وتحقيقا لهذه الرغبة فقد أصدر جلالة الملك الإشهار الشرعى بذلك فى يوم الأربعاء 16 من المحرم 1368 الموافق 17 نوفمبر 1948، والديوان إذ يعلن هذا ليرجو من الله جل وعلا أن يهيئ من فضله وكرمه لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم ما تقر به عين البلاد وتسعد.
وكان هذا الطلاق بداية النهاية، وبعده سار فاروق إلى نهايته بخطوات سريعة، ولم يدرك خطورة الغضب الشعبى الذى يتراكم طبقة فوق طبقة، وكان طلاقه للملكة المحبوبة من الشعب من أهم عوامل الغضب الذى أضيفت إليه عوامل أخرى كثيرة.
???
وكانت قصة زواجه من ناريمان هى الأخرى من عوامل الغضب الشعبى، لأن الشعب لم يغفر لملكه أنه (خطف) البنت الصغيرة الجميلة من خطيبها.
تزوج فاروق للمرة الثانية فى 6 مايو 1951 من ناريمان بنت حسين فهمى صادق سكرتير عام وزارة المواصلات.. ويقول عبدالرحمن الرافعى إن زواجه بها أشبه بحادثة من حوادث خطف النساء التى تروى عن الملوك والأمراء فى العصور الوسطى، فقد اختارها على الرغم من أنها كانت مخطوبة فعلا للدكتور محمد زكى هاشم وكان وقتها مندوبا بمجلس الدولة، وكان الدكتور محمد زكى هاشم قد اتفق مع ناريمان وأسرتها على الزفاف وتم إرسال بطاقات الدعوة لحفل الزواج، لكن فاروق- بناء على اقتراح أحمد نجيب الجواهرجى- ذهب إلى محل الجواهرجى الذى دعاه لاختيار (الشبكة) وأعجبته، فأمرها وأمر والديها بفسخ الخطبة وقطع صلاتها بخطيبها، وأعلن أنه سيخبطها، ولم يصدق الناس ذلك لما ينطوى عليه اِلأمر من دلائل الخطف والغصب وأعلن القصر نبأ الخطبة الملكية يوم 11 فبراير 1951 وتم الزواج يوم 6 مايو 1951، وفى يوم الزفاف صدرت صحيفة اللواء الجديد وفيها مقال عنوانه (الملكة فى طريقها إلى المقصلة) وكان المقال عن ملكة فرنسا مارى انطوانيت، ولكن كل من قرأ المقال فهم المقصود بالعنوان وتوقيت النشر.
وتصور بعض الناس أن هذا الزواج سيكون بداية حياة جديدة يتخلص فيها من مفاسده، ولكن حياته بعد الزواج ظلت كما كانت قبله باستهتاره وظهوره فى الأماكن العامة مع نساء لا يليق بملك أن يجلس معهن.
وفى يوليو 1951 قام برحلة (شهر العسل) مع ناريمان على ظهر اليخت الملكى (فخر البحار) متوجها إلى كابرى. وهناك نسى فاروق عروسه وشهر العسل ليقضى ليله ونهاره فى صحبة نساء من كل نوع وعلى موائد القمار، ونشرت صحيفة (امباير نيوز) البريطانية فى أول يوليو موضوعا قالت فيه: (لم يحدث فى تاريخ العالم أن تعرض ملك لمثل ما تعرض له فاروق من حملات النقد والتجريح، فهو متهم بأنه طاغية يحيط نفسه بجو فاسد مفضوح، ومتهم بأنه خطف زوجته الجديدة- ناريمان صادق- من بين ذراعى خطيبها، ومتهم أنه طلق زوجته الأولى- فريدة- لأِنها لم تلد له ولدا، ومتهم بأنه مقامر سفيه لا يكاد يمضى يوم دون أن يتلقى سيلا من الرسائل المفزعة المهينة- وأكثرها من انجلترا.
وكتبت صحيفة (صنداى اكسبريس) يوم 29 يوليو 1951 (لم يسبق أن شهد العصر الحديث مثل هذا البذخ والإسراف خلال الشهرين اللذين انقضيا على شهر العسل الذى يمضيه الملك فاروق مع عروسه).
ففى كل يوم تخرج آلاف الجنيهات وقد دفع 700 ألف جنيه لشراء قطار خاص و500 ألف جنيه دفعها لبناء يخت جديد.. وقد بدأ السيل المتدفق للأموال من يوم 7 يونيو يوم وصول اليخت الملكى إلى جزيرة صقلية التى أقام فيها ستة أيام إلى واصل الرحلة إلى كابرى، وكتبت صحيفة (الديلى أمريكان) الأمريكية: (استأجر فاروق فندق قصر أغسطس بأكمله ويتكون من 150 غرفة). وقالت مجلة (باراد): (يقضى فاروق فى أوروبا أعظم شهر عسل عرفه القرن العشرين، وفى كل ليلة بينما زوجته الصغيرة تنام نوما هادئا فى فندق كارلتون يكون هو غارقا لأذنيه فى لعب (البكاراة) و(الروليت) وفى دفع آلاف الدولارات إلى المائدة، وقد علق على خسارته بقوله: (الناس يقولون إننى أخسر أموالا كثيرة فى اللعب، ولكنى أملك أكثر مما يتصورون) وأضافت المجلة: (لقد أصبح مألوفا فى أوروبا كلها منظر هذا الملك الذى لا يعنيه إلا أن يقضى أوقاتا بهيجة يدفع ثمنها ملايين التعساء من أبناء مصر) وصحف أخرى ترددت فيها أوصاف ملك مصر بأنه بلغ من السفه والتحدى لمشاعر الشعب حدا لم يصل إليه شارل الأول ملك انجلترا الذى شنقه شعبه، ولا لويس السادس عشر ملك فرنسا الذى قطعت الثورة الفرنسية رأسه بالمقصلة، ومعه عنق زوجته مارى انطوانيت.
وفضائح هذه الرحلة تستحق ألا ينساها المصريون!





ليس من الصعب أن نكتشف أن شخصية الملك فاروق غير سوية، وأنه كان يعانى من عقدة نفسية تكونت فى الطفولة وازدادت تغلغلاً فى نفسه مع الأيام والسنين. كانت لديه عقدة نفسية من قسوة أبيه وحرمانه من حنان الأب كسائر الأطفال. وعقدة نفسية أخرى هى التى يسميها علماء النفس عقدة أوديب فى إشارة إلى التراجيديا التى أبدعها شكسبير عن الملك أوديب الذى قتل أباه وأحب أمه وتزوجها دون أن يعرف أن هذا أباه وأن هذه أمه، وعندما عرف الحقيقة فقأ عينيه وهام على وجهة والشعور بالذنب يكاد يقتله. عقدة فاروق أنه أحب أمه (الملكة نازلى) فى طفولته وتعلق بها، وتعلقت هى أيضاً به لأنه الولد الوحيد، ولأنها أفرغت عواطفها عليه تعويضاً عن قسوة الزوج وانشغاله بعشيقاته والحكم عليها بالسجن تقريبا فى جناحها بقصر القبة لمدة سبعة عشر عاماً.
والملكة نازلى – كما يذكر الزميل حنفى المحلاوى فى كتابه (الملكة نازلى بين سجن الحريم وكرسى العرش) الذى أصدرته الدار المصرية اللبنانية – تمتد جذورها إلى الدماء الفرنسية والتركية. جدها الأكبر سليمان باشا الفرنساوى الذى أعلن إسلامه وتزوج امرأة مسلمة واستقر فى مصر بصفة نهائية. وجدها الثانى لأمها شريف باشا (أبو الدساتير المصرية) التركى الأصل ابن قاضى عسكر السلطنة العثمانية. والدها عبد الرحيم صبرى تزوج ابنة شريف باشا رئيس وزراء مصر الأسبق، وكان محافظاً للمنوفية، ولما تولى (السلطان) فؤاد (الملك فؤاد بعد ذلك) اختاره محافظاً للقاهرة، وقبيل زواج (السلطان) فؤاد من نازلى اختاره وزيراً للزراعة.
ارتبطت حياة الملكة نازلى بخمسة رجال. سعيد زغلول ابن أخت الزعيم سعد زغلول أول حب فى حياتها. السلطان أحمد فؤاد أول الأزواج. اللواء عمر فتحى كبير الياوران. أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى رائد الملك فاروق ومستشاره الأول الذى تزوجها زواجاً عرفياً بعد قصة حب ملتهبة طلق زوجته وأم أولاده بسببها، وتسببت هذه العلاقة بين نازلى وأحمد حسنين فى أزمة نفسية لفاروق لأن (الفضيحة) كانت على كل لسان فى طول البلاد وعرضها، ولأن فاروق كان يحب أمه ويغار عليها، ولأنه كان يعتمد على أحمد حسنين وهو العقل المدبر لمواقفه وسياساته ولا يستطيع أن يستغنى عنه، كما لا يستطيع أن يقف أمام جموح أمه. وأخيراً رياض غالى الشاب المسيحى الذى كان يعمل فى السفارة المصرية فى واشنطن وله قصة أغرب من الخيال مع نازلى وابنتها الأميرة فتحية انتهت بنهاية مأساوية.
كانت نازلى هى الزوجة الثانية للملك فؤاد، أما الزوجة الأولى فكانت الأميرة شويكار التى تزوجها سنة 1895 وطلقها سنة 1898 وظل بدون زوجة عشرين عاما إلى أن تزوج نازلى فى مايو 1919 وكان عمره (51) عاماً وكانت نازلى فى الخامسة والعشرين (من مواليد 1894).
أما عمر فتحى فكان ضابطا فى حرس السلطان حسين كامل، وبتوجيهات من الملكة نازلى أصبح الياور الخاص لابنها فاروق سنة 1937 ثم أصبح كبيراً للياوران سنة 1941 برتبة لواء. كان متزوجاً من سيدة من وصيفات الملكة نازلى وانفصل عنها سنة 1953 قبل وفاته بسنتين (سنة 1955) وكان فى الخامسة والستين، وينقل حنفى المحلاوى عن محمد التابعى أن الملكة نازلى (بقيت سجينة القصر سبعة عشر عاماً، وأخيراً مات سجانها الملك فؤاد، وانطلقت بشراهة ونهم تطفئ نار الظمأ الذى أحرق حشاها السنوات الطوال).. وكثر الهمس.. وذكرت أسماء بعض ضباط الحرس وموظفى القصر.. ثم تركزت حول اسمين هما أحمد حسنين والياور (البكباشى فى ذلك الوقت) عمر فتحى، وبعد فترة انسحب عمر فتحى ليترك نازلى لأحمد حسنين.
أما قصتها مع أحمد حسنين فكانت حديث الصالونات إلى أن طلق أحمد حسنين زوجته وأم أولاده وهى ابنة الأميرة شويكار زوجة الملك فؤاد السابقة، وتزوج نازلى زواجا عرفيا بعد أن وجدت نازلى أن زوجها رسميا يفقدها لقب الملكة والجلوس على كرسى العرش إلى جانب ابنها الملك، وأكد أحمد حسنين لمن حوله أن علاقته بنازلى لم تكن حبا ولكن كانت حرصا منه على إرضاء نزواتها، ولأنها ملكة مصر وأم ملك مصر وصاحبة النفوذ الأكبر لدى ابنها!
كان زواج الملك فؤاد من نازلى فى سنة الثورة واشتعال البلاد، ومن فتاة سمعتها ليست فوق الشبهات مما جعل بيرم التونسى يصدر مجلة باسم (المسلة) بدون ترخيص ويكتب تحت اسمها (المسلة لا جريدة ولا مجلة) وكتب فيها أنشودة ذاعت على ألسنة الناس يقول فيها:
البنت ماشيه من زمان تتمخطر
والعقلة زارع فى الديوان قرع أخضر
يا راكبا الفيتون وقلبك حامى
اسبق على القبة وطير قدامى
تلقى العروس شبه محمل شامى
وجوزها يشبه فى الشوارب عنتر
***
الوزة من قبل الفرح مدبوحة
والعطفة من قبل النظام مفتوحة
ولما جات تتجوز المفضوحة
قلت اسكتوا وخلوا البنات تتستر
وفى القصيدة يلمح بيرم إلى أن فاروق ولد قبل مضى تسعة أشهر على الزواج بقوله:
ياباديشاه ده أنت ابنك ظهر
ربك يبارك لك فى عمر الغلام
نزل يلعلط تحت برج القمر
يا خسارة بس الشهر كان مش تمام
وكلمة (باديشاه) معناها السلطان.
عاشت نازلى فى قصر عابدين حياة غريبة.. كانت كبيرة الوصيفات تتحكم فى تحركاتها ومقابلاتها وهى مدام جوزيف أصلان قطاوى باشا سيدة يهودية كانت فيما سبق (صديقة حميمة) للملك فؤاد.. وكانت المربية الانجليزية (مسز نايلور) الصارمة هى التى تحكم نظام تربية وتعليم الأطفال وكانت سلطتها فى القصر وكلمتها تفوق سلطة الملكة، ولم يكن للملكة رأى فى تعليم أبنائها ولا يسمح لها برؤيتهم أكثر من ساعة تقريباً كل يوم حتى لا يتعطلوا عن دراستهم. ولم تكن الملكة نازلى تخرج من القصر إلا لمشاهدة عروض الأوبرا فى موسم الشتاء، وفى الاستقبالات والمناسبات الرسمية فقط.
وينقل حنفى المحلاوى عن كتاب الأستاذ محمد التابعى (من أسرار الساسة والسياسة): “لم تمض سوى أسابيع قليلة على وفاة الزوج عام 1936 حتى كثر الهمس بين موظفى القصر والأوساط الخاصة المتصلة به بأن السجينة حطمت قيودها وانطلقت وهى لا تزال فى ثوب الحداد تمرح وتحاول تعويض ما فاتها من الحياة ومتعها، وكانت السجينة هى الملكة نازلى التى كانت تقول لكل من يقابلها وتأمن جانبه: أنا سجينة الملك فؤاد”
بدأت نازلى فور وفاة الملك فؤاد بالتخلص من رجاله ونسائه فى القصر، وتفرغت أولاً لتدبير الأمور لضمان جلوس ابنها على العرش وفى نفس الوقت أصبحت على علاقة مع رجلين فى القصر هما عمر فتحى كبير الياوران الذى انسحب مبكرا ليخلى الطريق إلى الرجل الثانى أحمد حسنين.. وبقى عمر فتحى حريصا على أن يكون وجوده فى حدود وظيفته.. أما أحمد حسنين فكان من طراز آخر.. فهو خريج جامعة اكسفورد أشهر جامعة فى بريطانيا، وعمل سكرتيرا فى السفارة البريطانية بالقاهرة ثم مفتشا بوزارة الداخلية ثم سكرتيرا فى سفارة مصر فى واشنطن ثم الأمين الأول للملك فؤاد ورائد فاروق ولى العهد وأمير الصعيد، ثم الأمين الأول لفاروق حين تولى العرش ثم رئيس الديوان الملكى وظل يمسك بخيوط السياسة المصرية بين عامى 1940 و 1946. وقضى عشر سنوات مع الملكة نازلى من وفاة الملك فؤاد سنة 1936 إلى وفاته هو فى حادث اصطدام سيارة يقودها عسكرى انجليزى بسيارته على كوبرى قصر النيل فى 19 فبراير سنة 1946. وخلال هذه السنوات العشر أصبح أحمد حسنين الزوج الثانى للملكة الأم.
ولكن أحمد حسنين عاش قصة حب بدأت سنة 1940 مع المطربة أسمهان، واستطاع أن يجمع بين الاثنتين مما جعل ناظر الخاصة الملكية مراد محسن باشا يقول إن حسنين باشا كان أخطر رجل فى مصر.. وهو ممثل يجيد التمثيل أفضل من يوسف وهبى.. وأنا لا أنسى يوم جاءتنى الملكة نازلى تقول إنها تحب حسنين ولا تستطيع الحياة بدونه، وأنها تعسة لأن حسنين صارحها بأنه لا يستطيع أن يقربها لأنه لا يحب الحرام.. ولقد دهشت من هذا التصرف من حسنين فأنا أعرفه جيداً وأعرف أنه فى حياته الخاصة ليس شيخ الأزهر، ولكن حسنين كان يمثل دورا، وكانت النتيجة أن ازداد حب الملكة..فهو رجل يجد ملكة بين يديه ويرفض أن يقربها.. وذات يوم قالت له: أنا أعطيك انذارا نهائياً، وإما أن تعاملنى كامرأة، وإما سأقطع كل علاقة بيننا وأفعل ما أشاء، وأجاب حسنين – وهو يتظاهر بالبكاء – إنه لا يستطيع أن يقربها إلا إذا تزوجها.. ثم أسرع يقول: غير معقول أن أتزوج الملكة، وهنا صاحت الملكة نازلى: طظ فى لقب الملكة، ولكن حسنين قال إن جلالة الملك سيطردنى وأنا أفقر من أن أعيش على معاشى. قالت الملكة نازلى أنا مستعدة لأن أضع ثروتى كلها بين يديك.. وهناك قالت الملكة نازلى إذن سأذهب إلى فاروق وأقول له إننى سأتزوجك. قال حسنين: اذهبى.. ولكنه سيرفض.
وكانت مقابلة عاصفة بين الملكة الأم وابنها، قال لها فاروق فى نهايتها: رافقيه أحسن، قالت إنه يرفض. قال سأصدر إليه أمرا ملكياً.. ولعل فاروق كان يسخر من أمه.
ويختتم مراد محسن باشا شهادته بقوله: وعلى أى حال فإنه لم يفاتح حسنين فى هذا الموضوع، وكان طبيعيا أننى أعتقد أن الملك سوف يغضب ويحقد على حسنين ويطرده.. ولكن شيئا من هذا لم يحدث!
وهذه ليست كل القصة.







استمرت علاقة الملكة نازلى- أم فاروق- بأحمد حسنين رئيس الديوان الملكى- أكثر من تسع سنوات، ولم تكن هذه هى العلاقة الأولى أو الأخيرة فى سجل نزواتها.. ففى سنة 1942 اشتد الخلاف بينها وبين فاروق بسبب علاقتها بأحمد حسنين، فسافرت إلى القدس ونزلت فى فندق الملك داود، وهناك انتشرت القصص عن فضائحها مع رجال مختلفين من العرب والأجانب، يقول صلاح الشاهد الذى كان قريبا من القصر ومطبخ السياسة: إن فاروق استدعى النحاس باشا وقال له: إن والدتى تحبك وتحب زينب هانم- زوجة النحاس- وأرجو أن تسافر لإحضارها..
وسافر النحاس وقرينته إلى القدس وأقاما فى الفندق أسبوعا يحاول إقناع نازلى بالعودة، فاشترطت أن تستقبل فى محطة مصر استقبالا رسميا، وأن يكون الملك نفسه فى استقبالها على رصيف المحطة، ووعدها النحاس بذلك، وعاد النحاس وقرينته إلى القاهرة وأبلغ الملك فأصر على ألا يذهب إلى المحطة والاكتفاء باستقبال الرسميين وتشريفة الحرس الملكى لها.
لكنه عاد ووافق على مطالبها وذهب لاستقبالها على رصيف المحطة، ولكن الفضائح التى كانت تنشرها الصحف الأجنبية عن نزوات الملكة الأم كانت تصل إلى السياسيين والصحفيين فى القاهرة، وكانت من المعاول التى أدت إلى تصدع النظام فيما بعد.
***
ولم تكن نازلى وحدها التى انتشرت فضائحها فى العالم، ولكن الفضائح شملت الأسرة الملكية كلها.. يقول المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعى: اجتمع إلى مساوئ فاروق فى الحكم ظهور الفضائح بين أفراد عائلته وأقرب الناس إليه.. وكانت هذه الفضائح-قبل فاروق- موجودة فى نطاق ضيق بحيث لم يلق الكثيرون بالهم إليها، أما فى عهده فقد تفاقمت الفضائح وصارت موضع أحاديث الخاصة والعامة، ولعل مسلك فاروق الشخصى كان مغريا ومشجعا لأفراد عائلته، على الاستهتار وعدم المبالاة، وكان هو قدوة سيئة لهم، ففى عهده تزوجت عدة أميرات من رجال أجانب وهجرن مصر وأقمن مع أزواجهن فى أوروبا وأمريكا، ومعظم-الأزواج- كانوامن الأفاقين ونهازى الفرص، فساءت سمعة أسرة محمد على بين الشعب، ولم تحافظ والدته نازلى على سمعتها.
ولكن السنوات التالية لوفاة أحمد حسنين شهدت من الفضائح ما جعل الشعور بالخجل سائدا بين المصريين.
فقد سافرت نازلى إلى أوروبا، وقد عزمت على ألا تعود إلى مصر لكى تعيش على حريتها، وعند وصولها إلى مارسيليا قابلت أفاقا يدعى رياض غالى كان أمينا للمحفوظات بقنصلية مصر فى مارسيليا، وكلفته القنصلية ليكون فى خدمة الملكة، وليشرف على نقل حقائبها، وبسرعة تحول إلى عشيق جديد للملكة، وظل يلازمها ليل نهار، وحين سافرت إلى سويسرا وفرنسا وانجلترا ثم استقرت فى أمريكا ظلت تصحبه معها.
ووصلت إلى مصر أنباء الفضيحة الجديدة فطلبت وزارة الخارجية من رياض غالى العودة إلى عمله فى مارسيليا فرفض الإذعان لطلب الوزارة، فقررت الوزارة إحالته إلى المعاش، فاستبقته نازلى فى خدمتها، وادعت أنه (السكرتير الخاص) وعوضته أضعاف مرتبه.
وبعد ذلك دوت فى العالم أنباء أكبر فضيحة تناقلتها الصحافة الأمريكية والأوروبية رياض غالى- المغامر المسيحى- أصبح العاشق للملكة الأم ولابنتها- الأميرة فتحية- فى نفس الوقت، وكانت هذه العلاقة الشاذة هى الختام المأساوى لقصة ملكة لم تحترم العرش الذى جلست عليه، ولم تراع كرامة البلد الذى تنتمى إليه.. بل لم تحترم شيخوختها حتى حين وصلت إلى سن الثمانين.. بل لم تراع حالتها الصحية، وهى تعانى فى سنوات الإقامة فى أمريكا من مرض فى الكلى، اضطرت إلى إجراء جراحة لاستئصال إحدى الكليتين.
كان رياض غالى الشاب الوسيم مسيحيا فى الثلاثين من عمره، حكى بنفسه بداية علاقته بالملكة نازلى فى حديث مع زميلنا الراحل جميل عارف لمجلة المصور نشرته فى عدد 7 يناير 1971 فقال: (طيلة إقامة الملكة وابنتها الأميرة فتحية والأميرة فائقة فى مارسيليا لم أحظ بمقابلتهن.. وفى صبيحة يوم سفر الملكة استدعانى القنصل وكلفنى بحمل البريد الذى ورد باسم الملكة إلى جناحها فى الفندق، دعتنى الملكة للجلوس وسألتنى عن اسمى وأسرتى وعملى وثقافتى.. وعندما وصلت إلى دار القنصلية علمت أن الملكة اتصلت بالقنصل ليتخذ الإجراءات لانتدابى لمرافقتها إلى الولايات المتحدة.
***
وبدأت الأنباء تتردد فى أوروبا ووصلت إلى الشارع فى القاهرة عن علاقة الملكة الأم بعاشق جديد، ومن جنيف وصل تقرير سرى إلى فاروق فى 25 أكتوبر 1946 وفيه (سافرت الملكة نازلى إلى جنوب فرنسا، وقد لوحظ أنها سلمت رياض غالى كل أموالها.. وجعلته المتصرف فيها).
وينقل حنفى المحلاوى فى كتابه عن الملكة نازلى بعض البرقيات والتقارير التى وصلت إلى الملك ومازالت محفوظة فى أرشيف قصر عابدين ومنها مثلا: نيس 3 نوفمبر 1946- شوهدت الملكة نازلى مع رياض غالى فى المعرض، وكانت تتحدث معه بغير كلفة،واشترت روائح عطرية مختلفة، وكانت تضع بعضها على أنفه ليشم الرائحة.. باريس 17 نوفمبر 1946 وصلت الملكة نازلى إلى هنا وحجزت غرفة لرياض غالى فى فندق (بلانتزا أتينيه) بجوار جناحها.. باريس 20 نوفمبر 46- كان رياض غالى يصطحب الملكة نازلى فى ذهابها إلى الخياطات لشراء الفساتين الجديدة.. باريس 22 نوفمبر 46- شوهدت الملكة نازلى فى مسرح (الكازينو دى بارى) ومعها رياض وكان يجلس بينها وبين الأميرة فتحية.. وبعد ذلك خرجوا إلى مطعم فى الحى اللاتينى وتناولوا العشاء. باريس 27 نوفمبر 1946- شوهد رياض غالى فى البنك يودع فيه مبلغا طائلا باسمه، كما شوهد فى نفس اليوم يقود سيارة ومعه الملكة والأميرتان. جنيف 7 أبريل 1947 لوحظ أن الملكة تتناول إفطارها فى الفندق يوميا مع رياض غالى وهو الحاكم بأمره فى الحاشية الملكية، ويبدى أفراد الحاشية استياءهم لنفوذه الذى يزداد وسيطرته الكاملة على الملكة. جنيف 27 أبريل 1947، قالت الملكة نازلى إنها إذا أرادت أن تختار بين صداقتها لرياض غالى وابنها فاروق فإنها تختار صداقة رياض غالى.. لندن 7 مايو 1947، قالت الملكة نازلى اليوم إنها لا تريد العودة إلى مصر لأن جلالة الملك ينظر إلى رياض غالى نظرة شك.. لندن 8 مايو 1947، قالت الملكة نازلى إنها ستهاجر إلى أمريكا وأنه معروض على رياض غالى مناصب كبيرة فى شركات مالية وصناعية فى أمريكا وأنه يستطيع أن يكون مليونيرا إذا أراد، ولكنه فضل أن يكون فى خدمتها.. لندن 11 مايو 1947 يقول رجال البوليس السرى الذين كلفتهم السفارة بأن يتولوا حراسة الملكة نازلى إن رياض غالى هو المتصرف فى شئونها.. وإن الأميرتين قبل سفرهما مع الملكة لم تكونا لتستطيعا شراء أى شىء إلا بإذنه وبموافقته.. وعندما كان يمرض رياض غالى كانت الملكة هى التى تقوم برعايته.
وفى منتصف مايو 1947 هاجرت الملكة نازلى إلى أمريكا.. واستقال رياض غالى من عمله فى وزارة الخارجية ليتفرغ للملكة وابنتها فتحية وأقام معها فى فيلا اشترتها نازلى فى بيفرلى هيلز فى هوليوود أرقى أحياء أمريكا.. وأجريت لها ثلاث عمليات جراحية إحداها لاستئصال الكلى اليمنى. وفى حديث صحفى قال رياض غالى: ذات يوم جمعتنى الظروف بالأميرة فتحية وكنا بمفردنا وحدث ما كنت أخشاه، فقد صارحتنى بحبها لى، فقلت: مستحيل أنت أميرة وأنا لا شىء..
واستدعتنى الملكة نازلى ذات يوم وإذا بها تفاجئنى بقولها اسمع يا رياض، أنا أعرف ما يدور وراء ظهرى بينك وبين فتحية.. فقلت: لقد فكرت فى هذا الموضوع وقررت إشهار إسلامى، فقالت: على بركة الله، واستدعت ابنتها فتحية واستقبلتها بقبلة وهنأتها.. وأمام تعنت الملك فاروق فيما أقدمنا عليه قررنا أن نضعه أمام الأمر الواقع بعدما سمعنا بثورته وتهديده لنا جميعا فحددنا موعدا للزواج، ولكن فاروق ازداد هياجا وثورة.. بل هددنى بأنه سوف يقتلنى بنفسه إن رآنى.
فى أواخر أبريل 1950 طلب فاروق من النحاس باشا أن يستخدم نفوذه لدى الملكة نازلى لمنع هذا الزواج بأى ثمن، واتصل الناس بها، وقال لها: (ثقى أن هذا الزواج سيكون أول مسمار فى عرش ابنك، وأول مسمار فى نعشه).
ووصلت التهديدات إلى أسرة رياض غالى، ورفضت السفارة المصرية فى واشنطن تجديد جواز سفره.. وفى أوائل مايو 1950 عقد الزواج المدنى فى سان فرانسسكو بين رياض غالى و(الأميرة) فتحية.
وطلب فاروق أن تنشر الصحف قصة هذا الزواج بالتفصيل كما طلب من الرقابة عدم حذف أى شىء فيها.. وأمر مجلس البلاط برئاسة الأمير محمد على بالاجتماع للنظر فى أمر الملكة الأم والأميرة وقرر مجلس البلاط رفض زواج فتحية من رياض وتجريدها هى وأمها الملكة نازلى من امتيازاتهما الملكية، فلم تعد الملكة ملكة ولم تعد الأميرة أميرة، ومصادرة أملاكهما وأموالهما فى مصر.
الفصل الأخير فى يوم 9 ديسمبر 1976 أطلق رياض غالى الرصاص على الأميرة فتحية وقتلها بعد إدمانه الخمر والمخدرات، وحاول الانتحار بإطلاق الرصاص على رأسه، ولكنه لم يمت وحكم عليه بالسجن 15 عاما.. ومات رياض غالى.. ثم ماتت الملكة نازلى عام 1978 وعمرها 83 سنة ودفن الثلاثة فى إحدى كنائس لوس انجلوس، فقد ماتوا على المذهب المسيحى الكاثوليكى.. بعد أن تبددت الثروة وعاشوا حياة الفقر.. ولم يترحم أحد عليهم فى مصر وكل ما قيل: إن الله يمهل ولا يهمل.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: